المسئولية الجنائية عن جرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات "دراسة في القوانين المقارنة"
عمار غالي عبد الكاظم العيساوي;
Abstract
منذ البدايات الأولىلتكوين المجتمعات والقوانين الوضعية تشرع ويهدف مشرعيها إلى حماية المجتمع بأفراده , والفرد هو النواة الأولى في أي مجتمع وهو محور اهتمام المشرع عند تشريعه للقوانين وفي سبيل تحقيق هذه الحماية فانه يمنح الفرد مجموعة من الحقوق تقابلها مجموعة أخرى من الواجبات من اجل تنظيم مباشرته للحياة ، فلا يترك الأمر سائباً ومن ثم لا يقبل الدفع بالجهل بالقوانين عند مباشرته لفعل مجرم قانوناً ، والمشرع هنا لا يدخر جهدا في معالجة أي مرض جديد يظهر ويهدد المدنية الحديثة للمجتمع الإنساني حيث لا تفارق ذهن المشرع القاعدة التي تقضي بان استمرار الحياة الإنسانية تنتج مزيدا من التقدم في المجال التقني والتطور الصناعي وما يحتويه هذا التقدم من فكرة شديدة التناقضات مفادهاانالمزيد من التطور الاجتماعي بصفه عامة يؤدي إلى زيادة مصادر الأخطار التي تهدد بالضرر من يتعامل مع هذا التطور السريع وهذاما يستلزم أحيانا تجريم الأفعال التي يمكن أن تعرض مصالح الأفراد للخطر ولو لم ينتج عن ذلك الفعل ضررا حال أصاب مصلحة مادية محمية قانونا ، فتجريم السلوك الخطر والذي ينبئ بوقوع ضرر فعلي يصيب المصلحة المحمية قانونا في مرحلة سابقه على تحقق ذلك الضرر تكون الغاية منه هو منع وقوع الضرر الذي يصيب المصلحة الاجتماعية المحمية ويسبب خسائر كبيرة في حياة الفرد أو صحته أو ماله والتي يستحيل معالجتها أو منع اتساعهابعد تحقق الضرر.
وبقدر تعلق الأمر بالحق في سرية المراسلات يلاحظ إن معظم الناس إن لم يكن جميعهم شديدو الحرص على كتمان بعض الأمور التي تتصل بحياتهم الشخصية والتي يعتبرونها من قبيل الأسرار سواء ما تعلق منها بأسرار الفرد أو العائلة التي ينتمي إليها .
وهذا بدوره دفع المشرع إلى إعطاء الحق للفرد في حفظ هذه الأسرار من خلال النص على هذا الحق في دساتير معظم الدول ، ولم يقف دور المشرع عند هذا الحد بل اتجه إلى إعمار التشريع الجزائي بحماية جنائية لأسرار الحياة الخاصة للفرد و سيتم معالجة ذلك فيما يتقدم تفصيلا . لقد أصبحت للحياة الخاصة للأفراد حماية تشكل سياج مانع يحيط بما يعد من قبيل الأسرار في حياتهم فلا يطلع عليها الغير إلا برضاء أصحابها .
وكلنا يعلم إن الفضول هو من أكثر الغرائز السلبية السيئة التي تطفوا على سطح الطباع البشرية والتي تعاني منها المجتمعات الحديثة وتحديدا في الأيام الحاضرة والتي تشهد تقدم علمي هائل في وسائل الاتصال والمراسلات وتبادل المعلومات والأفكار , وبات الإنسان لا يستطيع أن يحمي حياته الخاصة وما فيها من أسرار لوحده معتمدا على الذوق البشري الرفيع والمبادئ الأخلاقية والدين , فكان لا بد من تدخل المشرع في القوانين للمحافظة على هذا الحق كونه من الحقوق الجديرة بالحماية وسيتبين وبشكل تفصيلي من خلال هذه الرسالة أهمية هذا الحق ودوره في المجتمعات المعاصرة وتوافقه مع مبادئ العدالة والإنصاف والمصلحة العامة قبل أن يكون حقا شخصيا مجردا للغير .
إن الحق في سرية المراسلات موجود منذ النشأة الطبيعية للحياة البشرية , وأيضا فان الفطرة في الفضول والتطفل كانت ولا تزال موجودة وهي ذاتها القديمة مزروعة في عقل الإنسان العصري , إلاإن الحاجة الملحة التي باتت اليوم تجبرنا على أن نأخذ هذه الحماية لهذا الحق على كفوف الاهتمام والدراسة والتنبيه هو أن العصور القديمة كانت تعتمد على القوانين الطبيعية البدائية التي تحكم نقل الرسائل والأسرار وتفاصيل الحياة الخاصة عبرها وبالتالي كان بإمكان الشخص العادي أن يبذل جهد وحذر عاديين فيحمي بها حياته الخاصة من التطفل والفضول البشري , ولكن مع تطور الحياة والتقدم كانت هذه الحاجة تزداد يوما بعد يوم حتى بات الشخص العادي غير قادر على حماية هذه الخصوصية مهما بذل من جهد وحذر في أن يحافظ عليها فكاميرات المراقبة والأقمار الصناعية وأجهزة الاتصال المتطورة وأجهزة التصنت عن بعد والتلسكوبات المقربة وبرامج الكومبيوتر والقائمة هنا تطول , كلها باتت تهدد أسرارالإنسان وتهدم ببساطة أي جدار عازل يمكن أن يبنيه الشخص العادي بمجهوده الخاص لحمايتها .
لقد باتت المعلومة اليوم ذات قيمة مالية كبيرة حتى نجد في بعض الأحيانأن وسائل الإعلام تتهافت على شراء بعض الأسرار لحياة شخص ما وبالأخص ما كان منها سري جدا قد يصل إلى درجة الفضيحة والتشهير بالسمعة وإصابة صاحب السر بالضرر الشديد والذي قد لا يجبر أحيانا لان مثل هذه الأضرار لا تتعلق بالوجود المادي الذي يمكن أن يصلح أو يستبدل بل إنها تتعلق بالوجود المعنوي والأدبي والذي لا يمكن تجبيره وإصلاحه إذا كانت الأسرار التي استبيحت حقيقة .
كما أن الزيادة في أعداد السكان من الأسباب التي تهدد الأسرار وجعلت انتهاك الحق في سرية المراسلات أكثر من السابق , فالكثافة السكانية وما صاحبها من زيادة عدد الأبنية ومشاركة أعداد كبيرة من البشر مكان واحد للسكن , ناهيك عن وجود الأبنية الشاهقة والمتلاصقة كل هذه العوامل ساعدت على توفير المعطيات والوسائل لانتهاك الحق في سرية المراسلات .
أن الجريمة وزيادة معدلاتها في العصر الحالي دور كبير في إقلاق راحة الحق في سرية المراسلات , فالأجهزةالأمنية باتت تستعمل العديد من الوسائل والأساليب التي يمكن أن تخترق بها هذا الحق في سبيل تتبع الجريمة وكشف ملابساتها والقبض على مرتكبيها فتجد إنها تضع وسائل الاتصالات والبريد تحت المراقبة وتشجع على زرع كآمرات المراقبة في المحلات والدور السكنية والمجمعات الخدمية بل وقد تقوم هي بوضعها متى ما اقتضت الضرورة لذلك , وبالتالي كل هذه الأعمال من الممكن أن تستغل من قبل الآخرين بما لا يتفق والغاية منها وتستخدم كوسائل للتطفل وانتهاك الحق في الحياة الخاصة على وجه العموم وسرية المراسلات على وجه الخصوص .
وللصراعات السياسية والاقتصادية والعلمية والمنافسة فيها أيضا دور كبير يدفع باتجاه انتهاك الحق في سرية المراسلات من خلال أعمال التجسس وعمليات المراقبة على الآخرين والذين هم في الأعمالأغلبأشخاص المنافسين في هذه الصراعات بغية التفوق والسيطرة على ميادين العمل هنا وهناك .
إن المعالجات التقليدية للحق في سرية المراسلات في التشريعات المقارنة والتي فرضها الواقع القديم للحقبة الزمنية التي يرجع إليها تاريخ تشريع معظم القوانين العقابية أصبح غير قادر على معالجة هذا الحق فلا يمكن أن نصم الآذان ونغلق الأبصار عن الفرق الكبير في طبيعة الحياة المعاصرة اليوم عن ما كانت عليه في الوقت الذي شرعت فيه هذه القوانين وبالأخص انه من المسلمات الغير قابلة للجدل هو أن المراسلات ذات اتصال متلازم ووثيق وغير قابل للانفصال عن هذا التطور العلمي الكبير الذي شهدته علوم التكنولوجية والإلكترونيات إذ أن المراسلات هي جزء من هذه العلوم المتطورة والتي لا يزال الباحثون فيها يتسارعون إلى تطويرها بشكل يكاد يتفوق على سائر العلوم الأخرى إن صح التعبير والله اعلم .
لهذا كله كان لابد من معالجة تشريعية حديثة للحق في سرية المراسلات طالما أن جميع التشريعات المقارنة متفقة على أهميته وضرورة حمايته من التطفل والفضول الفطري للإنسان وان تتم معالجته معالجة مستفيضة ورسم جادة تشريعية واضحة تساعد الأجهزة التنفيذية والقضائية في توفير الحماية لهذا الحق والمحافظة عليه , ولا ينصرف الذهن هنا إننا من الداعين إلى قبول هذه الحماية على وجه الإطلاق , بل إن الحماية التي نتوخاها هي تلك القادرة على خلق نوع من الموازنة بين حرية الأفراد وحقه في صيانة حياته الخاصة من جهة وبين مصلحة المجتمع وأمنه , فالحماية المغال فيها قد تصيب المجتمع برمته بالكوارث وبالتالي لابد أن نعطي للمجتمع حقه في فرض الالتزامات وبعض القيود على أفراده في مباشرتهم لحياتهم الخاصة على أن يكون الهدف من هذه القيود والالتزامات حماية امن المجتمع العام واستقراره .
مشكلة البحث:
إن المشرع الدستوري في جميع التشريعات القانونية المقارنة والتي أشارت إلى حق الأفراد بالخصوصية بشكل عام ، نصت على الحق في سرية المراسلات وعدته حقا دستوريا خالصا وأشارت إلى وجوب توفير الحماية الجنائية لهذا الحق وبيان تفاصيل ذلك فيما يتقدم ذكره, وبالرجوع إلى مكمن الحماية الجنائية في القوانين العقابية والتي عالجت موضوع الحق في سرية المراسلات نجد إن هنالك أكثر من نص قانوني وفي أكثر من باب وتحت أوصاف قانونية مختلفة ناهيك عن النصوص القانونية العقابية والتي تضمنتها القوانين الخاصة حيث تناولت من جانبها الحماية الجنائية على الحق في سرية المراسلات . وهذه الحماية المقررة لهذا الحق قانونا وردت في باب جرائم الاعتداء على وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية كما نجدها في باب جرائم تجاوز الموظفين على حدود واجباتهم الوظيفية ونجدها في باب جرائم فك الأختام وسرقة الأوراق والأشياء وإتلافها ونجدها في باب جرائم إفشاء الأسرار, والحقيقة أن ما تقدم ذكره هي السياسة التشريعية المعتمدة من قبل معظم التشريعات القانونية المقارنة .
وبذلك تظهر لدينا مشكلة قانونيه نحتاج إلى بحثها وإيجاد الحلول المناسبة لها , والحل يتمثل بضرورة جمع الحماية الجنائية لهذا الحق الثابت بنصوص دستوريه في نص قانوني وتحت وصف قانوني موحد وبعنوان جرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات من اجل إزالة التعارض واللبس والغموض والسير على طريق الإجادة في صياغة النصوص العقابية فهذه السياسة التشريعية قد تكون قادرة في الماضي على استيعاب متطلبات الحماية للحق في سرية المراسلات ولكنها اليوم نجد فيها جمود وقصور لابد من المعالجة .
خطـة البحــث :
تقوم الدراسة البحثية هنا على فصل تمهيدي و ثلاث أبواب تناولت في الفصل التمهيدي التطور التاريخي لجريمة انتهاك الحق في سرية المراسلات أما الأبواب فان كل باب يتكون من فصلين : نخصص الباب الأول للمفهوم العقابي لجرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات وصور هذه الجرائممن خلال فصلين الأول للمفهوم العقابي والثاني لصور جرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات. ونخصص الباب الثاني للتنظيم القانوني لجرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات من خلال فصلين الأول الخصائص القانونية لمحل جريمة انتهاك الحق في سرية المراسلات والثاني تأسيس الحماية القانونية من جرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات . ونخصص الباب الثالث لماهية المسئولية الجنائية عن جريمة انتهاك الحق في سرية
وبقدر تعلق الأمر بالحق في سرية المراسلات يلاحظ إن معظم الناس إن لم يكن جميعهم شديدو الحرص على كتمان بعض الأمور التي تتصل بحياتهم الشخصية والتي يعتبرونها من قبيل الأسرار سواء ما تعلق منها بأسرار الفرد أو العائلة التي ينتمي إليها .
وهذا بدوره دفع المشرع إلى إعطاء الحق للفرد في حفظ هذه الأسرار من خلال النص على هذا الحق في دساتير معظم الدول ، ولم يقف دور المشرع عند هذا الحد بل اتجه إلى إعمار التشريع الجزائي بحماية جنائية لأسرار الحياة الخاصة للفرد و سيتم معالجة ذلك فيما يتقدم تفصيلا . لقد أصبحت للحياة الخاصة للأفراد حماية تشكل سياج مانع يحيط بما يعد من قبيل الأسرار في حياتهم فلا يطلع عليها الغير إلا برضاء أصحابها .
وكلنا يعلم إن الفضول هو من أكثر الغرائز السلبية السيئة التي تطفوا على سطح الطباع البشرية والتي تعاني منها المجتمعات الحديثة وتحديدا في الأيام الحاضرة والتي تشهد تقدم علمي هائل في وسائل الاتصال والمراسلات وتبادل المعلومات والأفكار , وبات الإنسان لا يستطيع أن يحمي حياته الخاصة وما فيها من أسرار لوحده معتمدا على الذوق البشري الرفيع والمبادئ الأخلاقية والدين , فكان لا بد من تدخل المشرع في القوانين للمحافظة على هذا الحق كونه من الحقوق الجديرة بالحماية وسيتبين وبشكل تفصيلي من خلال هذه الرسالة أهمية هذا الحق ودوره في المجتمعات المعاصرة وتوافقه مع مبادئ العدالة والإنصاف والمصلحة العامة قبل أن يكون حقا شخصيا مجردا للغير .
إن الحق في سرية المراسلات موجود منذ النشأة الطبيعية للحياة البشرية , وأيضا فان الفطرة في الفضول والتطفل كانت ولا تزال موجودة وهي ذاتها القديمة مزروعة في عقل الإنسان العصري , إلاإن الحاجة الملحة التي باتت اليوم تجبرنا على أن نأخذ هذه الحماية لهذا الحق على كفوف الاهتمام والدراسة والتنبيه هو أن العصور القديمة كانت تعتمد على القوانين الطبيعية البدائية التي تحكم نقل الرسائل والأسرار وتفاصيل الحياة الخاصة عبرها وبالتالي كان بإمكان الشخص العادي أن يبذل جهد وحذر عاديين فيحمي بها حياته الخاصة من التطفل والفضول البشري , ولكن مع تطور الحياة والتقدم كانت هذه الحاجة تزداد يوما بعد يوم حتى بات الشخص العادي غير قادر على حماية هذه الخصوصية مهما بذل من جهد وحذر في أن يحافظ عليها فكاميرات المراقبة والأقمار الصناعية وأجهزة الاتصال المتطورة وأجهزة التصنت عن بعد والتلسكوبات المقربة وبرامج الكومبيوتر والقائمة هنا تطول , كلها باتت تهدد أسرارالإنسان وتهدم ببساطة أي جدار عازل يمكن أن يبنيه الشخص العادي بمجهوده الخاص لحمايتها .
لقد باتت المعلومة اليوم ذات قيمة مالية كبيرة حتى نجد في بعض الأحيانأن وسائل الإعلام تتهافت على شراء بعض الأسرار لحياة شخص ما وبالأخص ما كان منها سري جدا قد يصل إلى درجة الفضيحة والتشهير بالسمعة وإصابة صاحب السر بالضرر الشديد والذي قد لا يجبر أحيانا لان مثل هذه الأضرار لا تتعلق بالوجود المادي الذي يمكن أن يصلح أو يستبدل بل إنها تتعلق بالوجود المعنوي والأدبي والذي لا يمكن تجبيره وإصلاحه إذا كانت الأسرار التي استبيحت حقيقة .
كما أن الزيادة في أعداد السكان من الأسباب التي تهدد الأسرار وجعلت انتهاك الحق في سرية المراسلات أكثر من السابق , فالكثافة السكانية وما صاحبها من زيادة عدد الأبنية ومشاركة أعداد كبيرة من البشر مكان واحد للسكن , ناهيك عن وجود الأبنية الشاهقة والمتلاصقة كل هذه العوامل ساعدت على توفير المعطيات والوسائل لانتهاك الحق في سرية المراسلات .
أن الجريمة وزيادة معدلاتها في العصر الحالي دور كبير في إقلاق راحة الحق في سرية المراسلات , فالأجهزةالأمنية باتت تستعمل العديد من الوسائل والأساليب التي يمكن أن تخترق بها هذا الحق في سبيل تتبع الجريمة وكشف ملابساتها والقبض على مرتكبيها فتجد إنها تضع وسائل الاتصالات والبريد تحت المراقبة وتشجع على زرع كآمرات المراقبة في المحلات والدور السكنية والمجمعات الخدمية بل وقد تقوم هي بوضعها متى ما اقتضت الضرورة لذلك , وبالتالي كل هذه الأعمال من الممكن أن تستغل من قبل الآخرين بما لا يتفق والغاية منها وتستخدم كوسائل للتطفل وانتهاك الحق في الحياة الخاصة على وجه العموم وسرية المراسلات على وجه الخصوص .
وللصراعات السياسية والاقتصادية والعلمية والمنافسة فيها أيضا دور كبير يدفع باتجاه انتهاك الحق في سرية المراسلات من خلال أعمال التجسس وعمليات المراقبة على الآخرين والذين هم في الأعمالأغلبأشخاص المنافسين في هذه الصراعات بغية التفوق والسيطرة على ميادين العمل هنا وهناك .
إن المعالجات التقليدية للحق في سرية المراسلات في التشريعات المقارنة والتي فرضها الواقع القديم للحقبة الزمنية التي يرجع إليها تاريخ تشريع معظم القوانين العقابية أصبح غير قادر على معالجة هذا الحق فلا يمكن أن نصم الآذان ونغلق الأبصار عن الفرق الكبير في طبيعة الحياة المعاصرة اليوم عن ما كانت عليه في الوقت الذي شرعت فيه هذه القوانين وبالأخص انه من المسلمات الغير قابلة للجدل هو أن المراسلات ذات اتصال متلازم ووثيق وغير قابل للانفصال عن هذا التطور العلمي الكبير الذي شهدته علوم التكنولوجية والإلكترونيات إذ أن المراسلات هي جزء من هذه العلوم المتطورة والتي لا يزال الباحثون فيها يتسارعون إلى تطويرها بشكل يكاد يتفوق على سائر العلوم الأخرى إن صح التعبير والله اعلم .
لهذا كله كان لابد من معالجة تشريعية حديثة للحق في سرية المراسلات طالما أن جميع التشريعات المقارنة متفقة على أهميته وضرورة حمايته من التطفل والفضول الفطري للإنسان وان تتم معالجته معالجة مستفيضة ورسم جادة تشريعية واضحة تساعد الأجهزة التنفيذية والقضائية في توفير الحماية لهذا الحق والمحافظة عليه , ولا ينصرف الذهن هنا إننا من الداعين إلى قبول هذه الحماية على وجه الإطلاق , بل إن الحماية التي نتوخاها هي تلك القادرة على خلق نوع من الموازنة بين حرية الأفراد وحقه في صيانة حياته الخاصة من جهة وبين مصلحة المجتمع وأمنه , فالحماية المغال فيها قد تصيب المجتمع برمته بالكوارث وبالتالي لابد أن نعطي للمجتمع حقه في فرض الالتزامات وبعض القيود على أفراده في مباشرتهم لحياتهم الخاصة على أن يكون الهدف من هذه القيود والالتزامات حماية امن المجتمع العام واستقراره .
مشكلة البحث:
إن المشرع الدستوري في جميع التشريعات القانونية المقارنة والتي أشارت إلى حق الأفراد بالخصوصية بشكل عام ، نصت على الحق في سرية المراسلات وعدته حقا دستوريا خالصا وأشارت إلى وجوب توفير الحماية الجنائية لهذا الحق وبيان تفاصيل ذلك فيما يتقدم ذكره, وبالرجوع إلى مكمن الحماية الجنائية في القوانين العقابية والتي عالجت موضوع الحق في سرية المراسلات نجد إن هنالك أكثر من نص قانوني وفي أكثر من باب وتحت أوصاف قانونية مختلفة ناهيك عن النصوص القانونية العقابية والتي تضمنتها القوانين الخاصة حيث تناولت من جانبها الحماية الجنائية على الحق في سرية المراسلات . وهذه الحماية المقررة لهذا الحق قانونا وردت في باب جرائم الاعتداء على وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية كما نجدها في باب جرائم تجاوز الموظفين على حدود واجباتهم الوظيفية ونجدها في باب جرائم فك الأختام وسرقة الأوراق والأشياء وإتلافها ونجدها في باب جرائم إفشاء الأسرار, والحقيقة أن ما تقدم ذكره هي السياسة التشريعية المعتمدة من قبل معظم التشريعات القانونية المقارنة .
وبذلك تظهر لدينا مشكلة قانونيه نحتاج إلى بحثها وإيجاد الحلول المناسبة لها , والحل يتمثل بضرورة جمع الحماية الجنائية لهذا الحق الثابت بنصوص دستوريه في نص قانوني وتحت وصف قانوني موحد وبعنوان جرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات من اجل إزالة التعارض واللبس والغموض والسير على طريق الإجادة في صياغة النصوص العقابية فهذه السياسة التشريعية قد تكون قادرة في الماضي على استيعاب متطلبات الحماية للحق في سرية المراسلات ولكنها اليوم نجد فيها جمود وقصور لابد من المعالجة .
خطـة البحــث :
تقوم الدراسة البحثية هنا على فصل تمهيدي و ثلاث أبواب تناولت في الفصل التمهيدي التطور التاريخي لجريمة انتهاك الحق في سرية المراسلات أما الأبواب فان كل باب يتكون من فصلين : نخصص الباب الأول للمفهوم العقابي لجرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات وصور هذه الجرائممن خلال فصلين الأول للمفهوم العقابي والثاني لصور جرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات. ونخصص الباب الثاني للتنظيم القانوني لجرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات من خلال فصلين الأول الخصائص القانونية لمحل جريمة انتهاك الحق في سرية المراسلات والثاني تأسيس الحماية القانونية من جرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات . ونخصص الباب الثالث لماهية المسئولية الجنائية عن جريمة انتهاك الحق في سرية
Other data
| Title | المسئولية الجنائية عن جرائم انتهاك الحق في سرية المراسلات "دراسة في القوانين المقارنة" | Authors | عمار غالي عبد الكاظم العيساوي | Issue Date | 2016 |
Attached Files
| File | Size | Format | |
|---|---|---|---|
| G13112.pdf | 452.73 kB | Adobe PDF | View/Open |
Similar Items from Core Recommender Database
Items in Ain Shams Scholar are protected by copyright, with all rights reserved, unless otherwise indicated.